محمد بن جرير الطبري
628
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
اما بعد ، فان أمير المؤمنين كان دعا علي بن هشام فيمن دعا من أهل خراسان أيام المخلوع ، إلى معاونته والقيام بحقه ، وكان فيمن أجاب واسرع الإجابة ، وعاون فأحسن المعاونة فرعى أمير المؤمنين ذلك له واصطنعه ، وهو يظن به تقوى الله وطاعته والانتهاء إلى امر أمير المؤمنين في عمل ان اسند اليه في حسن السيرة وعفاف الطعمه ، وبدأه أمير المؤمنين بالإفضال عليه ، فولاه الاعمال السنيه ، ووصله بالصلات الجزيله التي امر أمير المؤمنين بالنظر في قدرها ، فوجدها أكثر من خمسين الف ألف درهم ، فمد يده إلى الخيانة والتضييع لما استرعاه من الأمانة ، فباعده عنه وأقصاه ، ثم استقال أمير المؤمنين عثرته فاقاله إياها ، وولاه الجبل وآذربيجان وكور أرمينية ، ومحاربه أعداء الله الخرمية ، على الا يعود لما كان منه ، فعاود أكثر ما كان بتقديمه الدينار والدرهم على العمل لله ودينه ، وأساء السيرة وعسف الرعية وسفك الدماء المحرمة ، فوجه أمير المؤمنين عجيف بن عنبسة مباشرا لأمره ، وداعيا إلى تلافى ما كان منه ، فوثب بعجيف يريد قتله ، فقوى الله عجيفا بنيته الصادقة في طاعه أمير المؤمنين ، حتى دفعه عن نفسه ، ولو تم ما أراد بعجيف لكان في ذلك ما لا يستدرك ولا يستقال ، ولكن الله إذا أراد امرا كان مفعولا فلما امضى أمير المؤمنين حكم الله في علي بن هشام ، رأى الا يؤاخذ من خلفه بذنبه ، فامر ان يجرى لولده ولعياله ولمن اتصل بهم ومن كان يجرى عليهم مثل الذي كان جاريا لهم في حياته ، ولولا ان علي بن هشام أراد العظمى بعجيف ، لكان في عداد من كان في عسكره ممن خالف وخان ، كعيسى بن منصور ونظرائه . والسلام : وفي هذه السنة دخل المأمون ارض الروم ، فأناخ على لؤلؤه مائه يوم ، ثم رحل عنها وخلف عليها عجيفا ، فاختدعه أهلها وأسروه ، فمكث أسيرا في أيديهم ثمانية أيام ، ثم أخرجوه ، وصار توفيل إلى لؤلؤه ، فاحاط بعجيف ، فصرف المأمون الجنود اليه ، فارتحل توفيل قبل موافاتهم ، وخرج أهل لؤلؤه إلى عجيف بأمان .